الشيخ الطبرسي
29
تفسير مجمع البيان
سفيان بن حرب ، والوليد بن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وغيرهم ، جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يقرأ القرآن ، فقالوا للنضر : ما يقول محمد ؟ فقال : أساطير الأولين ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية . فأنزل الله هذه الآية . المعنى : ثم وصف الله سبحانه حالهم ، عند استماع القرآن ، فقال : ( ومنهم ) أي : ومن الكفار الذين تقدم ذكرهم ( من يستمع إليك ) يريد : يستمعون إلى كلامك . قال مجاهد : يعني قريشا ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) قد ذكرنا الكلام فيه في سورة البقرة عند قوله ( ختم الله على قلوبهم ) . وقال القاضي أبو عاصم العامري : أصح الأقوال فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالليل ، ويقرأ القرآن في الصلاة جهرا ، رجاء أن يستمع إلى قراءته انسان ، فيتدبر معانيه ، ويؤمن به ، فكان المشركون إذا سمعوه آذوه ، ومنعوه عن الجهر بالقراءة ، فكان الله تعالى يلقي عليهم النوم ، أو يجعل في قلوبهم أكنة . ليقطعهم عن مرادهم ، وذلك بعد ما بلغهم مما تقوم به الحجة ، وتنقطع به المعذرة ، وبعد ما علم الله سبحانه أنهم لا ينتفعون بسماعه ، ولا يؤمنون به ، فشبه إلقاء النوم عليهم ، بجعل الغطاء على قلوبهم ، وبوقر آذانهم ، لأن ذلك كان يمنعهم من التدبر ، كالوقر والغطاء . وهذا معنى قوله تعالى : ( وإذا قرأت القران جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) ، وهو قول أبي علي الجبائي . ويحتمل ذلك وجها آخر وهو : إنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم ، تكون موانع من أن يفهموا ما يسمعونه ويحتمل أيضا أن يكون سمى الكفر الذي في قلوبهم كنا ، تشبيها ومجازا ، وإعراضهم عن تفهم القرآن وقرأ ، توسعا لأن مع الكفر والإعراض ، لا يحصل الإيمان والفهم ، كما لا يحصلان مع الكن والوقر ، ونسب ذلك إلى نفسه ، لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر ، كما يقول أحدنا لغيره ، إذا أثنى على انسان ، وذكر مناقبه : جعلته فاضلا ، وبالضد ، إذا ذكر مقابحه وفسقه ، يقول جعلته فاسقا . وكما يقال : جعل القاضي فلانا عدلا ، وكل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك ، والإبانة عن حاله ، كما قال ا لشاعر :